كريم نجيب الأغر
532
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
قال : لعله يكون نزعه عرق له ، بمعنى لعلّ هذه الصفة انتزعت من أصل له [ أي من مادة من مواده خلال تخلقها ] ، وفي هذه المرحلة الدقيقة أجاب الرجل على سؤاله بطريقة غير مباشرة ، فما كان من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا أن عرض له الجواب بطريقة مباشرة ، وبأسلوب لا يمكن أن ينكر النتائج . وبهذه المنهجية استطاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقنع الرجل بأن الولد ولده ، وبأنه ينسب إليه ، وعلى الرجل أن يزيل شكه في امرأته ، وأن العلاقة بين الزوج والزوجة الشريفة مرتبطة بالثقة العالية التي لا يأتيها شك أو ظن من خلال أوهام شكلية لا ترتبط بوقائع الحقيقة . فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أظهر معجزة علمية في حديثه وأشار إليها إشارة صريحة واضحة وهي : أن المورثات المتنحية لا تظهر في الجيل الأول وهو المولود ، ولكنها تظهر في الأجيال القادمة . فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله : « وهذا لعله يكون نزعه عرق له » يظهر أن عدم شبه الأب لا يعني أن الولد ليس ابنا لأبيه بل إن المورث المتنحي ظهر وأثّر في تركيبة المولود بحيث أظهر شبها لأحد من أجداده . والحديث الثاني « انظر في أي نصاب تضع ولدك فإن العرق دسّاس » [ ذكره العجلوني ح 71 ] يفسّر لنا كيف أن الشبه يظهر بعد أجيال . فعل « دسّ » له عدة معان ، منها : * إخفاء شيء . جاء في لسان العرب « 1 » : « دسس : الدسّ : إدخال الشيء من تحته . . . وفي الحديث [ استجيدوا الخال فإن العرق دسّاس ] أي دخّال لأنه ينزع في خفاء ولطف . . . ( قال ) الليث : الدّس دسك شيئا تحت شيء وهو الإخفاء ومنه قوله تعالى : أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ [ النحل : 59 ] » . * إدخال شيء غريب بين أشياء أخرى . جاء في لسان العرب « 2 » : « دسس : . . . وفي التنزيل العزيز : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) [ الشمس : 9 - 10 ] ، يقول : أفلح من جعل نفسه زكية مؤمنة وقد خاب من دسها في أهل الخير وليس منهم . . . قال ثعلب : سألت ابن الأعرابي عن تفسير قوله تعالى : وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [ الشمس : 10 ] ، فقال : معناه من دسّ نفسه مع الصالحين وليس هو منهم » .
--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « دسس » - ( ج 4 / ص 345 ) . ( 2 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « دسس » - ( ج 4 / ص 345 ) .